المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مختصر من سيرت بن باز يرحمه الله


مميز
05-14-2007, 01:30 PM
عبدالعزيز بن عبدالله بن باز – رحمه الله تعالى -

رجل لا أظن أحدا ً لم يسمع به ، عالم قضى جل حياته متعلما ً ومعلما ً ، لن أتطرق لسيرته كاملة ، ولكن لي وقفات مع هذه السيرة العطرة ، وحالي معها – والله المستعان - .

توفي ذلك الجبل الأشم وأنا في المرحلة الثانوية ، ومما أعجب منه أنني بمجرد سماعي خبر ذلك الرجل – الذي لم أعرفه معرفة تامة كغيري قبل وفاته – حزنت حزنا شديدا ،
وكأني فقدت شخصا قريبا لي بل قريب وعزيز – أيضا - .
مرت الأيام ، وأصبح ذلك الاسم محفورا في مخيلتي ( ابن باز ) كان لنفسي همة في الإطلاع على شيء من سيرة ذلك العالم السلفي ، فقرأت كثيرا مما كُتب عنه وعن سيرته العطرة ،

كنت أتعجب من سمعة ذلك الرجل الأعمى الذي طبقت الآفاق !! ، ثم أقارنه بغيره ممن قد يفوقونه حفظا ً للمتون ، وإطلاعا ً عليها ، فيزداد عجبي عجبا ! .
وتبدأ المقارنات العالم فلان أكثر حفظا من ابن باز ، فلماذا لم يشتهر مثله ؟!! ،

العالم فلان أكبر سنا من ابن باز فلماذا لا يقبل الناس قوله كابن باز ؟! ،
الفقيه فلان حافظ للكتب مداوم الإطلاع عليها أكثر من ابن باز ، فعلام َ الناس يصدرون عن هذا الأعمى ويأخذون قوله ، ويتركون ذلك الفقيه المبصر ؟! .

أسئلة كثيرة ، وكثيرة جدا ! ،

ولكنني كلما اطلعت على سيرة ابن باز – رحمه الله تعالى – علمت شيئا من الأسباب التي جعلت له تلك الميزة على غيره ، وتلك الشهرة ، وذلك القبول الغريب العجيب من قِبل الولاة قبل العامة ، والعلماء قبل طلابهم .
.
.
.
ومن نعم الله – تعالى – علي أن وفقني لملازمة بعض من طلاب الشيخ – رحم الله تعالى الميت وحفظ الحي ونفع به – فأخذت شيئا من أخبار الشيخ بالسند العالي .

وفقني الله – الكريم – لمصاحبة شيخنا الشيخ / عمر بن سعود العيد – حفظه الله تعالى – فوجدت منه عجبا عندما يأتي على شيء من سيرة ذلك العالم الهمام ابن باز – رحمه الله تعالى - ، ولأكون صادقا مع القارئ لم أستفد من شيخي العيد – حفظ الله تعالى – كثيرا في معرفة سيرة عالمنا الهمام ، وقد يقول القارئ ، ولِمَ ؟ وهو من طلابه الخاصين ؟!! ،
أقول : كانت عبرات شيخنا العيد – حفظه الله تعالى – تسبق عباراته ، وكان كلما أتى بسيرة ذلك العالم الفذ تنسكب الدموع على الأوجان ، وهنا يسكت الجميع ، وتنقطع الفائدة من الحديث ، وكثيرا ما كان يترك ذلك المجلس لما يحدث له من الحزن على فراقه ، والشوق لشيخه ، ولكن تبقى فائدة الدموع ، فيا لله ما هذا الشوق الذي يحدو هذا الطالب التلميذ لشيخه وقد مات من فترة ليست بالقصيرة !!! ،
فلذلك كنت أتجنب سؤال شيخنا – حفظه الله تعالى – لكي لا أثير عليه الأشجان ، وأسيل المدامع .

ومما أذكر من آلاء ربي – الكريم – علي فأشكره عليها أن وفقني لصحبة الشيخ / عبدالعزيز بن محمد السدحان – وفقه الله تعالى لكل خير – الذي ما بخل علي بذكر قصص ومواقف للإمام ابن باز – رحمه الله تعالى – ولم يكن مع هذا بعيدا عن صاحبه الشيخ العيد – حفظهما الله تعالى – ولكنه يدافع الدمع مدافعة ، ويصارع الشوق مصارعة .

وأذكر أني سألت شيخنا / السدحان – حفظه الله تعالى – عن صلاة الركعتين للقادم من السفر ، فقال : تلك سنة ثابتة عن الحبيب – صلى الله عليه وسلم – بأحاديث صحيحة ، ولقد كان من عادة شيخنا ابن باز – رحمه الله تعالى – صلاة تلك الركعتين والمداومة على ذلك ،

فقلت : سبحان الله العظيم ، أناس يسألون عن صحة الفعل من عدمه ، وذلك الشيخ يداوم على تلك السنة المهجورة إلا ممن رحم الله – تعالى - !! .

وشَرُفت ُ بزيارة من شيخنا السدحان – حفظه الله تعالى – وكان يتحدث بدرر ٍ من تفسير لآيات ، وشرح لأحاديث ، ويهديني ومن معي حكما ً ولآلئ – كما هي عادته - وفقه الله تعالى – وأذكر مما قال : أتعجبون من تلك السمعة الطيبة ، والقبول للإمام ابن باز – رحمه الله تعالى – عند الناس ، بل وعند الأمراء صغيرهم وكبيرهم ، وعدم تضجرهم من نصحه – مع كثرته لهم - ! ،
أحسبه – والله تعالى حسيبه – أنه مما لا يُداهن – في دينه ، بل يقول ويفعل ما يراه حقا – ولو كثُرَ – مخالفوه ، وكثيرا ما كنت أسمعه يقول : ( عاهدت ُ الله – تعالى – منذ صغري أن لا أداهن فيما أراه حقا ً ، وأن أجهر به أمام الجميع ) ا.هـ .
قلتُ : وأحسبه قال فصدق ، ووعد فأوفى ، وعاهد الله – تعالى – فأتم عهده – رحمه الله تعالى - .

وحدثني أحد تلاميذ الإمام ابن باز – رحمه الله تعالى – عن قصة غريبة حدثت للإمام وموجزها :
أن نساء ً – هداهن الله تعالى – قمن َ بعمل مظاهرة للدعوة لقيادة المرأة ، فلما بلغ الإمام ابن باز – رحمه الله تعالى – ذلك الخبر ، لجأ لربه – العظيم – تلك الليلة ، وانطرح بين يديه مصليا راكعا ً وساجدا ً داعيا ً ومبتهلا ً أن يكفي الرحيم ُ أهل هذه البلاد شر تلك الفعلة ،
فقام ليلته كاملة !! ، فلما أصبح بدأ بمكاتبة المسؤولين ، والاتصال بهم ؛ لإنكار ذلك المنكر ، ومحاولة إيقافه ،
فسبحان الله العظيم ! ، لما تأملت حال الحبيب – صلى الله عليه وسلم – وجدت أنه إذا حزبه الأمر فزع إلى الصلاة ، ولجأ بربه داعيا له ، منيبا ً إليه ، راجيا منه رفع الغمة ، وكشف الكربة .

فكان لسان حال الإمام ابن باز – رحمه الله تعالى - : إذا دهاك هم يدك الجبال ، فتذكر قوله – صلى الله عليه وسلم - : أرحنا بالصلاة يا بلال .
ومما أعجب منه تلك القصص التي لم ترو َ إلا بعد وفاة ذلك الإمام – رحمه الله تعالى – فامرأة في الفلبين تدعو له بعد أن كان سببا – بعد الله تعالى – في إنقاذها من أيادي الصليبيين الذين قتلوا زوجها وهدموا بئر مزرعتها ، فهب – رحمه الله تعالى – لنجدتها ونصرتها .

وعجوز مسن في أدغال أفريقيا رأت بعضا ً من الدعاة ، فعلمت أنهم من العرب ، فسألتهم : هل أنتم من بلاد ابن باز ؟ ، فدهش أؤلئك الجمع ، وكان يظنون أنهم أول الدعاة وصولا لهذه المنطقة فوجدوا أن ابن باز – رحمه الله تعالى - الأعمى المسن قد سبقهم ، فسألوا تلك العجوز : وكيف عرفت ِ ابن باز ؟!! قالت : أرسلت له قبل فترة أخبره بحالتي الضعيفة ، وحاجتي للدعم ، فأرسل لي ما أغناني ، وسد فاقتي .

بل يحدثني – شخصيا ًً – أحد طلبة العلم الحفاظ من دولة تشاد وهو من قرية ( بحر الغزال ) المشهورة بكثرة الحفاظ للقرآن – رجالا ً ونساء ً شيبا ً وشُبانا ً – أنه كان في قريته في وقت وفاة ابن باز – رحمه الله تعالى – وكان حال القرية عجيبا ً لما أتاهم الخبر بوفاة ذلك العالم الجليل – غفر الله تعالى له – ومما قال :
أنه كان يسير على قدميه في قريته فمر على مجموعة من العجائز يجلسن قرب بيوتهن ، فسمع إحداهن تبكي وتقول : ( اليوم مات شيخ الإسلام في بلاد الحرمين ) ، فسألها من هو ؟ ،
قالت : ابن باز !!! ، وكانت تلك المرأة قد فاقت الثمانين سنة .

فلله در ذلك الرجل ،
ولله در نفس سرت بين أضلاعه ،
ولله در ذلك الجسم النحيل الذي حمل هم الدين ونصرته ،
ولله در تلك العظام الرقيقة الواهنة من كبر السن التي ما تعبت من خدمة الدين ، ومعاونة أهله ،
رجل ٌ يحمل نفسا ً فاقت الغمام سموا ً ، والجبال قوة ً ، والمطر نقاء ً وصفاء ً .


وكنت كلما قرأت أو سمعت خبرا ً عن ذلك الإمام – رحمه الله تعالى – ، وكلما رأيت محبة الناس له ، وقبولهم لقوله ، وإتباعهم لفتواه – حتى بعد وفاته ، ووجود غيره من العلماء في هذا العصر – تذكرت قول الإمام مالك بن أنس – رحمه الله تعالى - :
[ ما كان لله يبقى ، وما كان لغيره يزول ] .
.
.
.
ذلك هو ابن باز الذي أبكاني – ولا زال يُبكيني –
فما أستطيع سماع صوته إلى الآن ، لما أجد له من المحبة في نفسي ، والشوق للقائه ،
حاولت فما استطعت ، فكانت الدموع هي الفيصل ، والحزن هو سيد الموقف ،
فكيف بمن طلب العلم على يديه ، و أدامت عيونه النظر إليه ، وشَرُفت يديه بالسلام عليه ؟! .
ولكن لا نقول إلا ما يرضي ربنا ، فلله ما أخذ ولله ما أعطى ، وكل شيء عنده بمقدار ، اللهم أجرنا في مصيبتنا وأبدلنا خيرا ً منها .

رحمنا الله – تعالى – ووالدِينا ومشايخنا وعلماءنا ، وجزاهم عنّا وعن المسلمين خير الجزاء ، وأكمله وأوفاه ،
وأبدلنا خيرا ً ممن مضى علما ً وعملا ً .


والله تعالى أعلى وأعلم ، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم ،
منقول والله اعلم
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .