لؤلؤة الريـــاض
07-07-2007, 03:15 AM
http://www.al7elwa.net/uploads/63d928d9df.gif (http://www.al7elwa.net)
الساعة الثالثة وخمس وثلاثون دقيقة فجرا. زوجتي تقطن غرفة العمليات. الممرضة تفر مني كلما تقدمت باتجاهها كأنني سألتهمها. الصمت يتسع، ويغرس في صدري آلاف الأسئلة الحادة التي تشبه السكاكين.
تمر الدقائق كأنها سنين. أصابعي شاخت، وأطرافي ذابت من شدة الخوف والبرد. بعد نحو 45 دقيقة من الانتظار الشاسع، اتجهت نحوي الممرضة بخطوات متثاقلة، بطيئة، وحزن دامس، كأن في فمها جثة تسألني أن أدفنها. قبل أن تصلني فتحتُ فمي وأصبح كمقبرة.
دنت مني الممرضة، وقالت لي بحذر شديد، بعد أن تركت مسافة بيني وبينها، بينما أنا أرتعش كمروحة: "مبروك، رزقت ببنت" ثم لاذت بالفرار.
منذ أن رزقني الله بطفلتي الأولى قبل شهرين أدركت جيدا كم أن مجتمعنا عنصري تجاه الإناث. فمنذ يومها الأول وحتى اللحظة مازلتُ أستقبل التعازي بأشكال وصور مختلفة إثر ولادتها.
أحد الأقارب هنأني، والشفقة تعلو وجهه قائلا: "بإذن الله سيكون مولودك الثاني ذكرا". أما آخر فسكب في أذني حديث الرسول عليه الصلاة والسلام: "ما من مسلم تدركه ابنتان، فيحسن صحبتهما، إلا أدخلتاه الجنة"، وقبل أن يغلق سماعة الهاتف وعدني أن يدعو لي ولزوجتي في الحرم بأن يرزقنا الله شقيقا لها.
كما تنبأ أحد الأصدقاء الذي أتى لتهنئتي بأن المولود الذي سيجيء بعدها ذكر.
الأمر لا يتعلق فقط بأدبيات التهنئة بل بوعي المجتمع ونظرته القاصرة تجاه الأنثى، فهو مازال يتعاطى معها كعنصر ثانوي وليس رئيسيا كشقيقها.
هذا السلوك لم ينقرض أو يتقلص في مجتمعنا السعودي بل يتسع ويزداد. يعزو طبيب النساء والولادة، علي الصالح (45 عاما) سلوك الممرضة التي أبلغتني نبأ الولادة إلى ردود الفعل التي عاصرتها. يقول: "رأت ورأيتُ رجالا ينهارون، ويعتدون، ويغادرون المستشفى دون الاطمئنان على زوجاتهم إذا علموا أنهم رزقوا ببنات".
ما يقوله الطبيب ليس في سالف العصر والزمان لكنه في العصر الراهن. هذا العصر الذي نزعم أنه غيرنا.
نحن ما زلنا في الماضي. لم نتقدم قيد أنملة، وربما تقهقرنا إلى الوراء. لا نكتفي بتغطية وجوه فتياتنا فحسب، بل نقوم بإخفائهن عن المجتمع عبر لائحة ممنوعات تتجاوز قائمة الشركات المساهمة في سوق الأسهم.
وأذكر في هذا السياق أنني أجريت حوارا مع أحد المثقفين قبل عام تقريبا، وعندما سألته عن أبنائه، أجابني بأنهم أربعة: ولدان، وابنتان. الولدان محمد وعبدالرحمن وكلاهما يدرسان طب الأسنان في مصر. وعندما ذكّرته بابنتيه، خشية أن يكون نسيهما. سألني أن أكتفي بالابنين، مستنجدا بالمثل الشائع: "الباب الذي تأتي منه الريح سده واستريح".
كما أذكر معاناة الصيدلانية السعودية، كوكب العنبر (38 عاما) التي حرمها شقيقها من ممارسة مهنتها بعد وفاة والدها بذريعة أن مكانها المنزل، مما جعلها تتزوج بريطانيا لتقبض على حريتها.
أيضا، لا تغيب عن ذهني صورة الفتاة السعودية هيفاء التي التقيتها في ولاية كلورادو (غرب أمريكا)، وأجريتُ معها حوارا صحفيا. فهي ولدت في الولايات المتحدة ولم يأخذها والدها معه إلى المملكة لأنها بنت.
هذه القصص، مدعاة لنحيب في الوطن، وتندر خارجه. وسنتجاوزها فقط عندما ننتزع المطارق التي تحتل رؤوسنا وتجعلنا مصدرا للبكاء والضحك.
*نقلا عن جريدة "الوطن" السعودية
الساعة الثالثة وخمس وثلاثون دقيقة فجرا. زوجتي تقطن غرفة العمليات. الممرضة تفر مني كلما تقدمت باتجاهها كأنني سألتهمها. الصمت يتسع، ويغرس في صدري آلاف الأسئلة الحادة التي تشبه السكاكين.
تمر الدقائق كأنها سنين. أصابعي شاخت، وأطرافي ذابت من شدة الخوف والبرد. بعد نحو 45 دقيقة من الانتظار الشاسع، اتجهت نحوي الممرضة بخطوات متثاقلة، بطيئة، وحزن دامس، كأن في فمها جثة تسألني أن أدفنها. قبل أن تصلني فتحتُ فمي وأصبح كمقبرة.
دنت مني الممرضة، وقالت لي بحذر شديد، بعد أن تركت مسافة بيني وبينها، بينما أنا أرتعش كمروحة: "مبروك، رزقت ببنت" ثم لاذت بالفرار.
منذ أن رزقني الله بطفلتي الأولى قبل شهرين أدركت جيدا كم أن مجتمعنا عنصري تجاه الإناث. فمنذ يومها الأول وحتى اللحظة مازلتُ أستقبل التعازي بأشكال وصور مختلفة إثر ولادتها.
أحد الأقارب هنأني، والشفقة تعلو وجهه قائلا: "بإذن الله سيكون مولودك الثاني ذكرا". أما آخر فسكب في أذني حديث الرسول عليه الصلاة والسلام: "ما من مسلم تدركه ابنتان، فيحسن صحبتهما، إلا أدخلتاه الجنة"، وقبل أن يغلق سماعة الهاتف وعدني أن يدعو لي ولزوجتي في الحرم بأن يرزقنا الله شقيقا لها.
كما تنبأ أحد الأصدقاء الذي أتى لتهنئتي بأن المولود الذي سيجيء بعدها ذكر.
الأمر لا يتعلق فقط بأدبيات التهنئة بل بوعي المجتمع ونظرته القاصرة تجاه الأنثى، فهو مازال يتعاطى معها كعنصر ثانوي وليس رئيسيا كشقيقها.
هذا السلوك لم ينقرض أو يتقلص في مجتمعنا السعودي بل يتسع ويزداد. يعزو طبيب النساء والولادة، علي الصالح (45 عاما) سلوك الممرضة التي أبلغتني نبأ الولادة إلى ردود الفعل التي عاصرتها. يقول: "رأت ورأيتُ رجالا ينهارون، ويعتدون، ويغادرون المستشفى دون الاطمئنان على زوجاتهم إذا علموا أنهم رزقوا ببنات".
ما يقوله الطبيب ليس في سالف العصر والزمان لكنه في العصر الراهن. هذا العصر الذي نزعم أنه غيرنا.
نحن ما زلنا في الماضي. لم نتقدم قيد أنملة، وربما تقهقرنا إلى الوراء. لا نكتفي بتغطية وجوه فتياتنا فحسب، بل نقوم بإخفائهن عن المجتمع عبر لائحة ممنوعات تتجاوز قائمة الشركات المساهمة في سوق الأسهم.
وأذكر في هذا السياق أنني أجريت حوارا مع أحد المثقفين قبل عام تقريبا، وعندما سألته عن أبنائه، أجابني بأنهم أربعة: ولدان، وابنتان. الولدان محمد وعبدالرحمن وكلاهما يدرسان طب الأسنان في مصر. وعندما ذكّرته بابنتيه، خشية أن يكون نسيهما. سألني أن أكتفي بالابنين، مستنجدا بالمثل الشائع: "الباب الذي تأتي منه الريح سده واستريح".
كما أذكر معاناة الصيدلانية السعودية، كوكب العنبر (38 عاما) التي حرمها شقيقها من ممارسة مهنتها بعد وفاة والدها بذريعة أن مكانها المنزل، مما جعلها تتزوج بريطانيا لتقبض على حريتها.
أيضا، لا تغيب عن ذهني صورة الفتاة السعودية هيفاء التي التقيتها في ولاية كلورادو (غرب أمريكا)، وأجريتُ معها حوارا صحفيا. فهي ولدت في الولايات المتحدة ولم يأخذها والدها معه إلى المملكة لأنها بنت.
هذه القصص، مدعاة لنحيب في الوطن، وتندر خارجه. وسنتجاوزها فقط عندما ننتزع المطارق التي تحتل رؤوسنا وتجعلنا مصدرا للبكاء والضحك.
*نقلا عن جريدة "الوطن" السعودية