دكتور موقوف
10-01-2007, 04:09 AM
نهايـــة كلب أزعـر
في قرية مفترضة من قرى حلب الشهباء تدعى " السوراج " تبدأ أحداث الرواية ، الأتراك يسوقون الشباب إلى حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل ، يصادرون الحنطة ، المال ، المواشي، الدواجن ، رحى الفقر تدور لتسحق رغبات الإنسان في ذلك الريف النائي ، لنصل إلى مسلمة وضعها الكاتب بين أيدينا، لا بدّ من التمرد على الواقع والخلاص منه . عند هذا المفصل نتلمس واقعاً ما زلنا نتحمل مسؤولياته ، سوريا اليوم كما السوراج مازالت تحمل أعباء المشروع النهضوي القومي ، لا تساوم على الأرض ، لا تستبدل ثوابتها بتنازلات مجانية كتلك التي قدمتها الرجعية العربية . هذه الركيزة السياسية الهامة جاءت أساساً متيناً لفصل انتهى بوحدة اجتماعية ووطنية نحتاجها اليوم مثلما احتاجتها السوراج في ذلك المتخيل الروائي. بعد أحداث يغلب عليها التخييل الأدبي الروائي ، ينتقل بنا علي ديبة إلى قراءة سياسية واقعية ، بل شبه موثقة ، إلى ذلك الزمن الفاصل بين الرحيل التركي والاحتلال الفرنسي لسورية ، الثقافة والمثقفين والفكر القومي ، الفكر السلفي ماله وما عليه ، الفكر الأممي الوليد وتياراته الناهضة ، الحرية والمساواة والعدالة وأفكار الثورة الفرنسية ، مصداقية فرنسا ودورها في تحقيق مثل هذه الشعارات ، وأخيراً مساومات الإقطاع ورهانه لأجل مصالحه ، صراع انتهى بنجاح الرهانات الإقطاعية واستمرارها كحارسة للإرث العثماني المتخلف . في خضم صعب من هذا الصراع ، أبقى علي ديبة السوراج بمعزل عن كل المؤثرات والتجاذبات ، ولعله أراد أن يقول : إن الاستعمار الفرنسي لم يتمكن من السيطرة على الريف السوري حقيقة ، بل أبقى أدواته من الإقطاعيين الذين قدموا لـه الولاء بمواجهة كافة التيارات التي برمجت ذاتها باتجاه الحرية والخلاص . مقولات فكرية , أحداث تنتقل عبر فصول الرواية بأسلوب شائق بامتياز ، حتى المجرد الفكري لا يأتي جافاً أو مدرسياً ، إنما ضرورة موظفة يأتي بها الكاتب ، ليرسم فوق نسيجها ما يلائم عالمه المتخيل ، بانتقالات تتكافأ معها فصول الرواية السبعة وتتكامل وفق مسارات ومحاور ، تتشكل معها أهم أعصاب الرواية ومفاصلها . ويبقى الرحيل القسري لبطل الرواية "شاهر" عن السوراج هو حجر الزاوية الأهم ، وهذا لا يعني أن المحور الثاني دونه أهمية ، لكن محتوى السرد ومضامينه في الأول أضافت مستجدات لم تطرقها روايتنا السورية من قبل . إن متابعة تلك الحامية العسكرية التي تشكلت من المتطوعين السوريين ، وملاحقة أعمالها ومشاركتها في تحرير باريس من الألمان لجدير بالاهتمام والدراسة والإشهار ، وهذه حقيقة وليست أوهاماً كما يظن البعض ، يقبض عليها علي ديبة ليصوغها فناً روائياً جميلا يستحق الاهتمام ، ماذا حلّ بأولئك الرجال ؟ كيف كانت حياتهم ؟ ما نوع وشكل علاقتهم بسواهم من العسكر الفرنسي؟ وتأتي الإجابات في مساقات روائية قريبة من ذهننا الثقافي ربما ، لكن الكاتب يسيطر على أحاسيسنا بإدهاش لا يسعنا معه إلا إنصافه بنقدٍ أدبيِ أكاديمي أكثر منه انطباع ، يمارسه صغار النقاد أو أشباههم . إن الجغرافيا في رواية " نهاية كلب أزعر " تفوق الجغرافيا التي عرفناها في رواياتنا المحلية ، إنها ليست مجرد جغرافيا مكانية نعبر من خلالها إلى تفصيلات الحدث ، بل هي تؤسس لعلاقة عضوية ، تمد المتلقي وتهيئه لاستقبال حراك مشهدي ، يتمدد نحو حبكة مسيطرة من بداية النص الروائي حتى آخر كلمة فيه . هكذا كانت قرية السوراج والصولانية وجوارهما، وحلب المدينة العريقة ، وثكنة العسكر في اللاذقية ، البحر ودواره ، والبارجة ، وسان لويس في السنغال ، والقنال الإنكليزي ، والنورماندي ، باريس وميدان الكونكورد ،وشارع الشانزليزيه وقوس النصر ، وتقاطع ميدان الأتيوال .. كذلك تجسّدت عائلة خلف ، وعائلة المختار ، والعم ، وبيك الصولانية ، إبراهيم وزوجته ، وملتقى الحمّام ، والحامية السورية ، والجيوش المحاربة ، أفارقة ، إنكليز ، مغاربة ، سوريين ولبنانيين، الأنصار الفرنسيين ، الخراب والدمار، رائحة البارود والقتل ، الوحشية في التركيبة المعقدة للعلاقات الإنسانية ، كل ذلك في وحدة روائية منسجمة خلت من الحشو الزائد واللغو الممل ، ومن الضعف والوهن والتفكك ، وبترابط تتناوب معه الأحداث اتفاقاً مع حبكة يقفل عليها كل فصل من فصول الرواية . أما عنوان الرواية وإثارته ، فهو إسقاط قياسي يتناول العسكر الذين اختاروا البقاء لخدمة بلاد ليست بلادهم ، على نحو ما فعل ذلك الكلب الشارد الأزعر , باختياره العيش في واحد من الأفصال الفرنسية المحاربة ، وتخليه عن صاحبه الذي التقطه جرواً أزعر(المقطوع الذيل) بعد ما جرى له مع البيك سليمان في الصولانية ..يضاف إلى هذا الحامل الروائي النواة مجموعة من التفرعات التي تؤسس لتفصيلات روائية لا يمكن اقتطاعها من جسم الرواية أو الاستغناء عنها ، فحاجة المغترِب النفسية لصاحبٍ ما ، خاصة إذا كان الصاحب ممن عرف دروب قريته ، وعاش معه في بيته ، حتى لو كان حيواناً ، هي حاجة دلالية ، اقترب الكاتب من جسورها ، وأضاف إليها مخيلة شاعرية ، ربطها بحنانه لأمه، لحليمة حبيبته ، لبيته وأرضه .. ويبقى الحامل الزمني هو الأهم ، الذي وحّد بين عمْر الكلب والزمن الذي استغرقته الرواية ، وما ضمته بين دفتيها من عمق الدلالات الفكرية والمتخيلة ، كأسباب طهارة البطل أمام إغراءات الجسد، وملوثات فرضتها عليه صروف جاءت من خارج روحه، وحلقة الملاكمة مع شارل الفرنسي ، وما كان في الثكنة الفرنسية في السنغال، ورقصة التم ..تم , ومقتل ذلك النمر ، وذلك الوصف الدقيق للصراع لأجل البقاء في لحظة القتل ..
في قرية مفترضة من قرى حلب الشهباء تدعى " السوراج " تبدأ أحداث الرواية ، الأتراك يسوقون الشباب إلى حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل ، يصادرون الحنطة ، المال ، المواشي، الدواجن ، رحى الفقر تدور لتسحق رغبات الإنسان في ذلك الريف النائي ، لنصل إلى مسلمة وضعها الكاتب بين أيدينا، لا بدّ من التمرد على الواقع والخلاص منه . عند هذا المفصل نتلمس واقعاً ما زلنا نتحمل مسؤولياته ، سوريا اليوم كما السوراج مازالت تحمل أعباء المشروع النهضوي القومي ، لا تساوم على الأرض ، لا تستبدل ثوابتها بتنازلات مجانية كتلك التي قدمتها الرجعية العربية . هذه الركيزة السياسية الهامة جاءت أساساً متيناً لفصل انتهى بوحدة اجتماعية ووطنية نحتاجها اليوم مثلما احتاجتها السوراج في ذلك المتخيل الروائي. بعد أحداث يغلب عليها التخييل الأدبي الروائي ، ينتقل بنا علي ديبة إلى قراءة سياسية واقعية ، بل شبه موثقة ، إلى ذلك الزمن الفاصل بين الرحيل التركي والاحتلال الفرنسي لسورية ، الثقافة والمثقفين والفكر القومي ، الفكر السلفي ماله وما عليه ، الفكر الأممي الوليد وتياراته الناهضة ، الحرية والمساواة والعدالة وأفكار الثورة الفرنسية ، مصداقية فرنسا ودورها في تحقيق مثل هذه الشعارات ، وأخيراً مساومات الإقطاع ورهانه لأجل مصالحه ، صراع انتهى بنجاح الرهانات الإقطاعية واستمرارها كحارسة للإرث العثماني المتخلف . في خضم صعب من هذا الصراع ، أبقى علي ديبة السوراج بمعزل عن كل المؤثرات والتجاذبات ، ولعله أراد أن يقول : إن الاستعمار الفرنسي لم يتمكن من السيطرة على الريف السوري حقيقة ، بل أبقى أدواته من الإقطاعيين الذين قدموا لـه الولاء بمواجهة كافة التيارات التي برمجت ذاتها باتجاه الحرية والخلاص . مقولات فكرية , أحداث تنتقل عبر فصول الرواية بأسلوب شائق بامتياز ، حتى المجرد الفكري لا يأتي جافاً أو مدرسياً ، إنما ضرورة موظفة يأتي بها الكاتب ، ليرسم فوق نسيجها ما يلائم عالمه المتخيل ، بانتقالات تتكافأ معها فصول الرواية السبعة وتتكامل وفق مسارات ومحاور ، تتشكل معها أهم أعصاب الرواية ومفاصلها . ويبقى الرحيل القسري لبطل الرواية "شاهر" عن السوراج هو حجر الزاوية الأهم ، وهذا لا يعني أن المحور الثاني دونه أهمية ، لكن محتوى السرد ومضامينه في الأول أضافت مستجدات لم تطرقها روايتنا السورية من قبل . إن متابعة تلك الحامية العسكرية التي تشكلت من المتطوعين السوريين ، وملاحقة أعمالها ومشاركتها في تحرير باريس من الألمان لجدير بالاهتمام والدراسة والإشهار ، وهذه حقيقة وليست أوهاماً كما يظن البعض ، يقبض عليها علي ديبة ليصوغها فناً روائياً جميلا يستحق الاهتمام ، ماذا حلّ بأولئك الرجال ؟ كيف كانت حياتهم ؟ ما نوع وشكل علاقتهم بسواهم من العسكر الفرنسي؟ وتأتي الإجابات في مساقات روائية قريبة من ذهننا الثقافي ربما ، لكن الكاتب يسيطر على أحاسيسنا بإدهاش لا يسعنا معه إلا إنصافه بنقدٍ أدبيِ أكاديمي أكثر منه انطباع ، يمارسه صغار النقاد أو أشباههم . إن الجغرافيا في رواية " نهاية كلب أزعر " تفوق الجغرافيا التي عرفناها في رواياتنا المحلية ، إنها ليست مجرد جغرافيا مكانية نعبر من خلالها إلى تفصيلات الحدث ، بل هي تؤسس لعلاقة عضوية ، تمد المتلقي وتهيئه لاستقبال حراك مشهدي ، يتمدد نحو حبكة مسيطرة من بداية النص الروائي حتى آخر كلمة فيه . هكذا كانت قرية السوراج والصولانية وجوارهما، وحلب المدينة العريقة ، وثكنة العسكر في اللاذقية ، البحر ودواره ، والبارجة ، وسان لويس في السنغال ، والقنال الإنكليزي ، والنورماندي ، باريس وميدان الكونكورد ،وشارع الشانزليزيه وقوس النصر ، وتقاطع ميدان الأتيوال .. كذلك تجسّدت عائلة خلف ، وعائلة المختار ، والعم ، وبيك الصولانية ، إبراهيم وزوجته ، وملتقى الحمّام ، والحامية السورية ، والجيوش المحاربة ، أفارقة ، إنكليز ، مغاربة ، سوريين ولبنانيين، الأنصار الفرنسيين ، الخراب والدمار، رائحة البارود والقتل ، الوحشية في التركيبة المعقدة للعلاقات الإنسانية ، كل ذلك في وحدة روائية منسجمة خلت من الحشو الزائد واللغو الممل ، ومن الضعف والوهن والتفكك ، وبترابط تتناوب معه الأحداث اتفاقاً مع حبكة يقفل عليها كل فصل من فصول الرواية . أما عنوان الرواية وإثارته ، فهو إسقاط قياسي يتناول العسكر الذين اختاروا البقاء لخدمة بلاد ليست بلادهم ، على نحو ما فعل ذلك الكلب الشارد الأزعر , باختياره العيش في واحد من الأفصال الفرنسية المحاربة ، وتخليه عن صاحبه الذي التقطه جرواً أزعر(المقطوع الذيل) بعد ما جرى له مع البيك سليمان في الصولانية ..يضاف إلى هذا الحامل الروائي النواة مجموعة من التفرعات التي تؤسس لتفصيلات روائية لا يمكن اقتطاعها من جسم الرواية أو الاستغناء عنها ، فحاجة المغترِب النفسية لصاحبٍ ما ، خاصة إذا كان الصاحب ممن عرف دروب قريته ، وعاش معه في بيته ، حتى لو كان حيواناً ، هي حاجة دلالية ، اقترب الكاتب من جسورها ، وأضاف إليها مخيلة شاعرية ، ربطها بحنانه لأمه، لحليمة حبيبته ، لبيته وأرضه .. ويبقى الحامل الزمني هو الأهم ، الذي وحّد بين عمْر الكلب والزمن الذي استغرقته الرواية ، وما ضمته بين دفتيها من عمق الدلالات الفكرية والمتخيلة ، كأسباب طهارة البطل أمام إغراءات الجسد، وملوثات فرضتها عليه صروف جاءت من خارج روحه، وحلقة الملاكمة مع شارل الفرنسي ، وما كان في الثكنة الفرنسية في السنغال، ورقصة التم ..تم , ومقتل ذلك النمر ، وذلك الوصف الدقيق للصراع لأجل البقاء في لحظة القتل ..