ابراهيم الاردن
12-12-2006, 03:38 PM
الفصل الثاني
قواعد في صفات الله تعالى
القاعدة الأولى
صفات الله كلها صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه (1)
كالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والرحمة والعزة والحكمة والعلو والعظمة وغير ذلك (2) وقد دل على هذا (3) السمع والعقل والفطرة
أما السمع : فمنه قوله تعالى : { للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم } [ النحل : 60] والمثل
(1) انظر بدائع الفوائد لابن القيم ( 1/158)
ويقول شيخ الإسلام رحمه الله في الفتاوى ( 6/71) : الكمال ثابت لله بل الثابت له هو أقصى ما يمكن من الأكملية ، بحيث لا يكون وجود كمال لا نقص فيه إلا وهو ثابت للرب – تبارك وتعالى – يستحقه بنفسه المقدسة " ا0هـ .
مثال ذلك :
حياة الله فهي صفة كما كما سبق ، وكذلك علم الله محيط بكل شيء قديم بقدم الذات ولم يسبق بجهل ولا يطرأ عليه نسيان ولا ذهول وعلمه باق بقاء الذات العلية
ولا يوجد أحد يتصف بهذا العلم فهذا هو وجه الكمال .
فالله له الكمال المطلق في جميع صفاته ، والاشتراك اللفظي بين صفات الله وبين صفات المخلوق فهو انما قبل ان تضاف صفة الله إلى الله ، وصفة المخلوق إلى المخلوق وهو ما يسمى بالمطلق الكلي ولا وجود لها في الخارج وانما يتصور في الذهن دون ان يعين علم الخالق أو علم المخلوق .
(2) أدلة هذه الصفات مذكورة في كتب العقائد وقد شرحتها بالتفصيل في كتابي ( بلوغ الأماني في شرح واسطية ابن تيمية الحراني ) يسر الله طبعه وإخراجه 0
(3) أي على كمال صفات الله و انظر هذه الأدلة في كتاب علو الله للدرويش ص 18وص21
الأعلى هو الوصف الأعلى (1)
وأما العقل : فوجهه أن كل موجود حقيقـة (2) فلابـد أن تكون له صفة (3) إما صفة كمال وإما صفة نقص (4) والثاني (5) باطل بالنسبة إلى الرب الكامل المستحق للعبادة ولهذا (6) أظهر الله تعالى بطلان ألوهية الأصنام باتصافها بالنقص والعجز فقال تعالى : { ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له (7) إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون } (8) [ الأحقاف : 5]
(1) والشاهد من الآية هو قوله { ولله المثل الأعلى } أي الوصف لأن المثل من بين اطلاقاته الوصف كما قال تعالى { مثل الجنة التي وعد المتقون } أي وصف الجنة وانظر في ذلك كتاب أمثال القرآن لعبدالرحمن حبنكة الميداني ص 33 وللمثل معان أخرى سنذكرها في الملحق
(2) احترازاً من الموجود الذهني وقد سبق بيان ذلك في القاعدة الثانية من قواعد الأسماء
(3) ذكر المؤلف الأدلة على ذلك في القاعدة الثانية من قواعد الأسماء 0
(4) هذه قسمة عقلية تامة إذ لا يوجد قسم ثالث ووجه القسمة أنها بين الكامل وهو الرب وبين الناقص وهو المخلوق وهناك ما يسمى بالقسمة الاستقرائية المبنية على التتبع لكن العقل لا يمنع قسماً زائداً كتقسيم الأديان السماوية إلي ثلاثة ، المنطق للمظفر ص 115
(5) أي صفة النقص 0
(6) هذا هو الدليل على أن صفة النقص للرب باطل 0
(7) والشاهد من الآية أن هذه الأصنام لا قدرة لها البته على الخلق والإيجاد والإعدام والنفع والضر واستجابة الطلب وكلها صفات نقص 0
انظر تفسير الرازي (28/6) 0
(8) وهذا ايضاً نقص وإنما جاز وصف الأصنام بالغفلة وهي لا تليق إلا بالعقلاء لأنهم لما عبدوها ونزلوها منزلة من يضر وينفع صح أن يقال فيها أنها بمنزلة الغافل 0
انظر التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزيء الغرناطي (4/74)
وقال تعالى : { والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون }(1) [ النحل : 20 ، 21]
وقال عن إبراهيـم وهو يحتـج على أبيـه {يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً} (2) [ مريم : 42 ]
(1) فوصفهم الله بالعجز بأمور :
أ - أنهم لا يخلقون شيئاً قليلاً أو كثيراً بل هم يُخلقون فكيف يخلقون مع افتقارهم في إيجادهم إلي الله 0
ب - أنهم أموات لا يسمعون ولا يبصرون ولا يعقلون شيئاً
جـ- هذه الأصنام لا تعلم متى يبعث عابدوها فهم سووا بين الكامل من جميع الوجوه والناقص الذي لا شيء له من أوصاف الكمال وفي الأية تهكم بالمشركين الذين عبدوا من لا يحس ولا يشعر انظر تفسير السعدي (3/53) ، تفسير الصابوني (2/122)
وقال ابن القيم في النونية ص90
والله عاب المشركين بأنهم **** عبدوا الحجارة في رضى الشيطان
ونعى عليهم كونهـا ليست **** بخالقه وليست ذات نطق بيان
فأبان أن الفعل والتكليم من **** أوثانهم لا شك مفقودان
ملاحظة : استدل شيخ الإسلام بهذه الآية على بطلان قول القراطمة في استدلالهم على مذهبهم بصحة سلب النقيضين وأنه لا يلزمهم التشبيه إلا إذا كان نفيهما عن محل قابل لهما أما الذي ليس بقابل لهما فلا يلزمهم ذلك فالجمادات التي ليس فيها احساس يقال فيها أنها لا حية ولا ميتة لكن لا يقال إنها ميتة فأجاب شيخ الإسلام بأن العرب يصفون الجماد بالحياة والموت كما في قوله تعالى { أموات غير أحياء }
وأن ما ذكروه هو اصطلاح للفلاسفة المشائين
انظر شرح التدمرية لفالح آل مهدي ص 85 وشرح الشيخ ابن عثيمين المخطوط ص 83
وانظر تفسير المشائين في مناهج البحث عند مفكري الإسلام د 0 سامي النشار ، والأجوبة المرضية ص 84
(2) أي لم تعبد أصناماً ناقصة في ذاتها ، وفي أفعالها فلا تسمع ولا تبصر ولا تملك لعابدها نفعاً ولا ضراً بل لا تملك لأنفسها شيئاً فهذا برهان جلي دال على أن عبادة الناقص في ذاته وأفعاله مستقبح عقلاً وشرعاً ودل تنبيهه وإشارته إلى الذي =
وعلى قومه : { أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون} (1) [ الأنبياء : 66، 67 ]
ثـم إنه قـد ثبـت بالحـس (2) والمشاهدة (3) أن للمخلوقات صفات كمال وهي من الله تعالى فمعطي الكمال أولى به (4)
= يجب ويحسن عبادة من له الكمال الذي لا ينال العبد نعمة إلا منه
تفسير السعدي 0(3/204)
(1) في هذه الآية يوبخ إبراهيم عليه السلام المشركين ويعلن لهم أن هذه الأصنام لا تستحق العبادة لأنها لا تنفع ولا تضر
تفسير السعدي ( 3/288) ، تفسير المراغي ( 17/50)
(2) الحس خمسة أشياء هي : السمع والبصر واللمس والشم والذوق
انظر حاشية النفحات للجاوي على شرح المحلي لورقات إمام الحرمين ص 28
وقيل إن هناك حاسة سادسة تدرك بها عوارض النفس كالجوع والعطش والشبع والأصح ما عليه العامة وهو الخمس ذكر ذلك ابو البقاء الكفوي في الكليات ص54
(3) المشاهدة نوع من الحس وهذا من الإطناب بذكر الخاص بعد العام للتنبيه على فضله حتى كأنه ليس من جنسه وهذا بناء على الراجح عند الأصوليين أن عطف الخاص على العام ليس تخصيصاً
وقال السيوطي في نظمه في البلاغة :
وذكر خاص بعد ذى عموم **** منبهاً بفضله المعلوم
كعطف جبريل وميكال على **** ملائك قلت وعكسه جلا
انظر شروح التلخيص ( 3/217) ، شرح عقود الجمان ( 1/239) ، والبلاغة لحفني ناصف ص 167
(4) هذا يسمى بقياس الأولوية وسيأتي في الملحق تقرير هذه القاعدة 0
*وأما الفطرة : فـلأن النفوس السليمة (1) مجبولة (2) مفطورة (3) على محبة الله وتعظيمه وعبادته (4).
وهل تحب وتعظم وتعبد إلا من علمت أنه متصف بصفات الكمال اللائقة بربوبيته وألوهيته ؟
وإذا كانت الصفة نقصاً لا كمال فيها فهي ممتنعة (5) في حق الله تعالى كالموت والجهل والنسيان والعجز والعمى والصمم ونحوها (6) لقوله تعالى : { وتوكل على الحي الذي لا يموت } [ الفرقان : 58]
__________________________________________________ ___________________
(1) أما النفوس المريضة بالشبهات والتخرصات فإنهم يكرهون فطرهم وعقولهم على قبول المحال المتناقض انظر الفتاوى ( 4/60)
وقال شارح الطحاوية ص95 : " أودع الله في الفطرة الإنسانية التي لم تتنجس بالجحود والتعطيل ، ولا بالتشبيه و التمثيل ، أنه سبحانه الكامل في أسمائه وصفاته وأنه الموصوف بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ، وما خفي عن الخلق من كماله أعظم وأعظم مما يعرفونه منه "
(2) أي مخلوقة من الجبل بمعني الخلق
انظر تفسير ابن عاشور (23/28) ، ونزهة القلوب في تفسير غريب القرآن للسجتاني ص 198 0
(2) الفطر أصله الشق طولاً وفطر الله الخلق هو إيجاده الشيء وخلقهم
مفردات الراغب (2/494) ، والبرهان في غريب القرآن لحسن الحبشي ص 324
(4) ما لم تتغير الفطر وتتلوث بشبه خارجية .
(5) ممتنعة عقلاً وشرعاً
(6) والظلم والعطش والبكاء والحزن والأكل والشرب
انظر شرح التدمرية لفالح آل مهدي ص 290
وقوله عن موسى : { في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى } (1) [ فاطر : 44] وقوله : { وما كان الله ليعجزه (2) من شيء في السموات ولا في الأرض } [ طه : 52] وقوله : { أم يحسبون أنا لا نسمع (3) سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون } [ الزخرف : 80]
(1) قال ابن فارس في " مجمل اللغة " (4/866) : " النسيان : الترك ، قال الله جل وعز : { نسوا الله فنسيهم } " ا 0 هـ
وسئل الشيخ ابن عثيمين في " مجموع فتاوى ورسائل " ( 3/54-56/رقم 354) السؤال التالي : هل يوصف الله تعالى بالنسيان ؟
فأجاب حفظه الله تعالى بقوله : " للنسيان معنيان :
أحدهما : الذهول عن شيء معلوم ، مثل قوله تعالى : { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } " ومثل الآية التي أتي بها المؤلف هنا ثم قال : " وعلى هذا فلا يجوز وصف الله بالنسيان بهذا المعنى على كل حال 0
والمعنى الثاني للنسيان : الترك عن علم وعمد مثل قوله تعالى : { فلما نسوا ما ذكروا به به فتحنا عليهم أبواب كل شيء } الآية ، ومثل قوله تعالى : { ولقد عهدنا إلي آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزماً } على أحد القولين وهذا المعنى من النسيان ثابت لله تعالى عز وجل ، قال الله تعالى : { فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم }
وتركه سبحانه للشيء صفة من صفاته الفعلية الواقعة بمشيئته التابعة لحكمته والنصوص في ثبوت الترك وغيره من أفعاله المتعلقة بمشيئته كثيرة معلومة وهي دالة على كمال قدرته وسلطانه
وقيام هذه الأفعال به سبحانه لا يماثل قيامها بالمخلوقين وإن شاركه في أصل المعنى ، كما هو معلوم عند أهل السنة : ا 0 هـ باختصار 0
(2) الشاهد من الآية أن الله نفى عن نفسه العجز
(3) الشاهد أن الله نفى عن نفسه الصمم 0
وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الدجال : إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور " (1) وقـال : " أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً "(2)
وقد عاقـب الله تعالى الواصفيـن له بالنقص كما في قولـه تعالى : { وقالت اليهود يد الله مغلولة (3) غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا (4) بل
(1) رواه البخاري برقم (7131) كما في طبعة التوشيح شرح الجامـع الصحيـح للسيوطـي ( 9/4150)
ورواه مسلم برقم ( 2825) كما في طبعة المفهم للقرطبي ( 7/67)
والشاهد من الحديث نفي العمي عن الله
وقال القرطبي في المفهم ( 7/267) :
الله ليس بأعور وهذا تنبيه للعقول القاصرة أو الغافلة على أن من كان ناقصاً في ذاته ، عاجزاً عن إزالة نقصه ، لم يصلح لأن يكون إلهاً لعجزه وضعفه ، ومن كان عاجزاً عن إزالة نقصه كان أعجز عن نفع غيره وعن مضرته 0
(2) رواه البخاري في صحيحه برقم (4205) كما في الفتح (7/537) ، ورواه مسلم في صحيحه كما في شرح النووي (17/35)
والشاهد من الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم ، نفي عن الله الصمم لأن الله سميع وهو قريب مع العبد
ومعنى ( اربعوا ) أي ارفعوا وأمسكوا عن الجهر
انظر عون الباري على البخاري لصديق حسن خان ( 5/279)
وقال أنور الكشميري في فيض الباري على البخاري (4/134): ليس في الحديث النهي عـن الجهر بل فيه كونه لغواً لأن الذي تدعونه أقـرب إليكـم من حبل الوريد ا 0هـ
(3) أي عن الخير والإحسان والبر0
(4) هذا دعاء عليهم بجنس مقالتهم لأن كلامهم متضمن وصف الله الكريم بالبخل وعدم الإحسان فجازاهم بأن كان هذا الوصف منطبقاً عليهم فكانوا أبخل الناس وأقلهم إحساناً وأسواهم ظناً بالله وهذا هو الشاهد من الآية
انظر تفسير السعدي (1/500)
يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء } [ المائدة : 64] وقوله :{ لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق} (1) [ آل عمران : 181]
ونزه نفسه عما يصفونه به من النقائص فقال سبحانه : { سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين (2) والحمد لله رب العالمين } [ الصافات : 180-182] وقال تعالى : { ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون } (3) [ المؤمنون : 91]
وإذا كانت الصفة كمالاً في حال ونقصاً في حال لم تكن جائزة في حق الله و لا ممتنعة على سبيل الإطلاق فلا تثبت له إثباتاً مطلقاً ولا تنفى عنه نفياً مطلقاً بل لابد من التفصيل فتجوز في الحال التي تكون كمالاً
(1) أي أن الله سمع ما قالوه وأنه سيكتبه ويحفظه مع أفعالهم الشنيعة وهو قتلهم الأنبياء الناصحين والشاهد أن الله سيكتب ما قالوا وأنه سيعاقبهم على ذلك أشد العقوبة
السعدي (1/298) 0
(2) لسلامتهم من الآفات والذنوب ، وسلامة ما وصفوا به فاطر الأرض والسماوات 0
والشاهد أن الله نزه نفسه عما يصفونه به فهو المقدس عن النقص المحمود بكل كمال 0 السعدي ( 4/277)
(3) الشاهد من الآية أن الله نزه نفسه عما يصفونه من الشريك والولد 0
تفسير فتح البيان لصديق حسن خان (9/146)
وتمتنع في الحال التي تكون نقصاً وذلك كالمكر والكيد والخداع (1) ونحوها فهذه الصفات تكون كمالاً إذا كانت في مقابلة من يعاملون الفاعل بمثلها لأنها حينئذ تدل على أن فاعلها قادر على مقابلة عدوه بمثل فعله أو أشد وتكون نقصاً في غير هذه الحال (2) ولهذا لم يذكرها
(1) المكر والكيد والخداع ألفاظ متقاربة ومعناها هو التوصل بالأسباب الخفية إلي الإيقاع بالخصم فيوصل الشر والأذى بالغير خفية وبغته
ولهذا عندما مكر اليهود بعيسى وأرادوا قتله مكر الله بهم وألقى الشبه على من أراد أن يقتله فقُتل ورفع الله عيسى إليه فسلم من مكرهم 0
وكذلك عندما كاد أخوه يوسف له فإن الله كاد ليوسف وخلص منهم أخاه في قصة سواع الملك بطريقة منظمة من السماء فالله أسند الكيد لنفسه وليس هذا ظلماً 0
انظر تفسير الطبري ( 3/289) ، والفتاوى ( 7/111)
وسيأتي في الملحق تفصيل هذه المسألة
وليس مكر الله كمكر المخلوق
انظر تفصيل ابن القيم للمسألة في مختصر الصواعق ص 288
(2) أي إذا فعلت بمن لا يستحق العقوبة كانت ظلماً له وإذا فعلت بمن يستحق العقوبة كانت عدلاً ولهذا قال شيخ الإسلام في الفتاوى (7/11):
وكذلك ما ادعوا أنه مجاز في القرآن كلفظ " المكر " و" الاستهزاء " و" السخرية " المضاف إلى الله وزعموا أنه مسمى باسم ما يقابله على طريق المجاز وليس كذلك بل مسميات هذه الأسماء إذا فعلت بمن لا يستحق العقوبة كانت ظلماً له وأما إذا فعلت بمن فعلها بالمجني عليه عقوبة له بمثل فعله كانت عدلاً ، كـما قـال تعالى : { كذلك كدنا ليوسف ) فكاد له كما كادت أخوته لما قال له أبوه : { لا تقصص رؤياك على اخوتك فيكيدوا لك كيداً } وقال تعالى : { انهم يكيدون كيداً وأكيد كيداً } وقال تعالى : {ومكروا مكراً ومكرنا مكراً وهم لا يشعرون فأنظر كيف كان عاقبة مكرهم } وقال تعالى : { الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون غلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم } ولهذا كان الاستهزاء بهم فعلاً يستحق هذا الاسم ا0هـ0
وانظر الحجة في بيان المحجة للأصبهاني (1/168) 0
الله تعالى من صفاته على سبيل الإطلاق وإنما ذكرها في مقابلة من يعاملونه ورسله بمثلها كقوله تعالى : { ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين } [ الأنفال : 30] وقوله : { إنهم يكيدون كيداً وأكيد كيداً } [ الطارق 15،16] وقوله : { والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين } [ الأعراف : 182-183] وقوله : { إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم } [ النساء : 142] وقوله : { قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون الله يستهزيء بهم } (1) [ البقرة : 14،15]
ولهذا لم يذكر الله أنه خان من خانوه فقال تعالى : { وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم } [ الأنفال : 71] فقـال : { فأمكن منهم } ولم يقل : فخانهم لأن الخيانة خدعة في مقام الائتمان وهي صفة ذم مطلقاً (3)
وبذا عرف أن قول بعض العوام : " خان الله من يخون " منكر فاحش يجب النهي عنه 0
(1) والشاهد من الآيات أن هذه صفات تدل على أن الله عز وجل يفعلها مقيدة ولهذا كانت كمالاً في هذه الحالة
(2) أي ليست كمالاً حتى لو في مقابلة العدو 0
ملحق القاعدة الأولى
ذكرنا في الحاشية على القاعدة الأولى أننا سنفصل بعض المسائل و هي :
1- معنى المثل الأعلى
2- قياس الأولوية
3- تفسير المكر والكيد والخداع 0
أولاً : معنى المثل الأعلى
يطلق المثل على عدة أمور :
1- تشبيه شيء بشيء لوجود عنصر تشابه أو تماثل بينهما 0
2- المثل بمعنى النموذج من ذي افراد متعددة لنوع من الأنواع أو عمل من العمال أو سنة من سنن الله نظراً إلى التشابه الموجود بين أفراد النوع الواحد
3- تطلق كلمة المثل ويراد منها %
قواعد في صفات الله تعالى
القاعدة الأولى
صفات الله كلها صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه (1)
كالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والرحمة والعزة والحكمة والعلو والعظمة وغير ذلك (2) وقد دل على هذا (3) السمع والعقل والفطرة
أما السمع : فمنه قوله تعالى : { للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم } [ النحل : 60] والمثل
(1) انظر بدائع الفوائد لابن القيم ( 1/158)
ويقول شيخ الإسلام رحمه الله في الفتاوى ( 6/71) : الكمال ثابت لله بل الثابت له هو أقصى ما يمكن من الأكملية ، بحيث لا يكون وجود كمال لا نقص فيه إلا وهو ثابت للرب – تبارك وتعالى – يستحقه بنفسه المقدسة " ا0هـ .
مثال ذلك :
حياة الله فهي صفة كما كما سبق ، وكذلك علم الله محيط بكل شيء قديم بقدم الذات ولم يسبق بجهل ولا يطرأ عليه نسيان ولا ذهول وعلمه باق بقاء الذات العلية
ولا يوجد أحد يتصف بهذا العلم فهذا هو وجه الكمال .
فالله له الكمال المطلق في جميع صفاته ، والاشتراك اللفظي بين صفات الله وبين صفات المخلوق فهو انما قبل ان تضاف صفة الله إلى الله ، وصفة المخلوق إلى المخلوق وهو ما يسمى بالمطلق الكلي ولا وجود لها في الخارج وانما يتصور في الذهن دون ان يعين علم الخالق أو علم المخلوق .
(2) أدلة هذه الصفات مذكورة في كتب العقائد وقد شرحتها بالتفصيل في كتابي ( بلوغ الأماني في شرح واسطية ابن تيمية الحراني ) يسر الله طبعه وإخراجه 0
(3) أي على كمال صفات الله و انظر هذه الأدلة في كتاب علو الله للدرويش ص 18وص21
الأعلى هو الوصف الأعلى (1)
وأما العقل : فوجهه أن كل موجود حقيقـة (2) فلابـد أن تكون له صفة (3) إما صفة كمال وإما صفة نقص (4) والثاني (5) باطل بالنسبة إلى الرب الكامل المستحق للعبادة ولهذا (6) أظهر الله تعالى بطلان ألوهية الأصنام باتصافها بالنقص والعجز فقال تعالى : { ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له (7) إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون } (8) [ الأحقاف : 5]
(1) والشاهد من الآية هو قوله { ولله المثل الأعلى } أي الوصف لأن المثل من بين اطلاقاته الوصف كما قال تعالى { مثل الجنة التي وعد المتقون } أي وصف الجنة وانظر في ذلك كتاب أمثال القرآن لعبدالرحمن حبنكة الميداني ص 33 وللمثل معان أخرى سنذكرها في الملحق
(2) احترازاً من الموجود الذهني وقد سبق بيان ذلك في القاعدة الثانية من قواعد الأسماء
(3) ذكر المؤلف الأدلة على ذلك في القاعدة الثانية من قواعد الأسماء 0
(4) هذه قسمة عقلية تامة إذ لا يوجد قسم ثالث ووجه القسمة أنها بين الكامل وهو الرب وبين الناقص وهو المخلوق وهناك ما يسمى بالقسمة الاستقرائية المبنية على التتبع لكن العقل لا يمنع قسماً زائداً كتقسيم الأديان السماوية إلي ثلاثة ، المنطق للمظفر ص 115
(5) أي صفة النقص 0
(6) هذا هو الدليل على أن صفة النقص للرب باطل 0
(7) والشاهد من الآية أن هذه الأصنام لا قدرة لها البته على الخلق والإيجاد والإعدام والنفع والضر واستجابة الطلب وكلها صفات نقص 0
انظر تفسير الرازي (28/6) 0
(8) وهذا ايضاً نقص وإنما جاز وصف الأصنام بالغفلة وهي لا تليق إلا بالعقلاء لأنهم لما عبدوها ونزلوها منزلة من يضر وينفع صح أن يقال فيها أنها بمنزلة الغافل 0
انظر التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزيء الغرناطي (4/74)
وقال تعالى : { والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون }(1) [ النحل : 20 ، 21]
وقال عن إبراهيـم وهو يحتـج على أبيـه {يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً} (2) [ مريم : 42 ]
(1) فوصفهم الله بالعجز بأمور :
أ - أنهم لا يخلقون شيئاً قليلاً أو كثيراً بل هم يُخلقون فكيف يخلقون مع افتقارهم في إيجادهم إلي الله 0
ب - أنهم أموات لا يسمعون ولا يبصرون ولا يعقلون شيئاً
جـ- هذه الأصنام لا تعلم متى يبعث عابدوها فهم سووا بين الكامل من جميع الوجوه والناقص الذي لا شيء له من أوصاف الكمال وفي الأية تهكم بالمشركين الذين عبدوا من لا يحس ولا يشعر انظر تفسير السعدي (3/53) ، تفسير الصابوني (2/122)
وقال ابن القيم في النونية ص90
والله عاب المشركين بأنهم **** عبدوا الحجارة في رضى الشيطان
ونعى عليهم كونهـا ليست **** بخالقه وليست ذات نطق بيان
فأبان أن الفعل والتكليم من **** أوثانهم لا شك مفقودان
ملاحظة : استدل شيخ الإسلام بهذه الآية على بطلان قول القراطمة في استدلالهم على مذهبهم بصحة سلب النقيضين وأنه لا يلزمهم التشبيه إلا إذا كان نفيهما عن محل قابل لهما أما الذي ليس بقابل لهما فلا يلزمهم ذلك فالجمادات التي ليس فيها احساس يقال فيها أنها لا حية ولا ميتة لكن لا يقال إنها ميتة فأجاب شيخ الإسلام بأن العرب يصفون الجماد بالحياة والموت كما في قوله تعالى { أموات غير أحياء }
وأن ما ذكروه هو اصطلاح للفلاسفة المشائين
انظر شرح التدمرية لفالح آل مهدي ص 85 وشرح الشيخ ابن عثيمين المخطوط ص 83
وانظر تفسير المشائين في مناهج البحث عند مفكري الإسلام د 0 سامي النشار ، والأجوبة المرضية ص 84
(2) أي لم تعبد أصناماً ناقصة في ذاتها ، وفي أفعالها فلا تسمع ولا تبصر ولا تملك لعابدها نفعاً ولا ضراً بل لا تملك لأنفسها شيئاً فهذا برهان جلي دال على أن عبادة الناقص في ذاته وأفعاله مستقبح عقلاً وشرعاً ودل تنبيهه وإشارته إلى الذي =
وعلى قومه : { أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون} (1) [ الأنبياء : 66، 67 ]
ثـم إنه قـد ثبـت بالحـس (2) والمشاهدة (3) أن للمخلوقات صفات كمال وهي من الله تعالى فمعطي الكمال أولى به (4)
= يجب ويحسن عبادة من له الكمال الذي لا ينال العبد نعمة إلا منه
تفسير السعدي 0(3/204)
(1) في هذه الآية يوبخ إبراهيم عليه السلام المشركين ويعلن لهم أن هذه الأصنام لا تستحق العبادة لأنها لا تنفع ولا تضر
تفسير السعدي ( 3/288) ، تفسير المراغي ( 17/50)
(2) الحس خمسة أشياء هي : السمع والبصر واللمس والشم والذوق
انظر حاشية النفحات للجاوي على شرح المحلي لورقات إمام الحرمين ص 28
وقيل إن هناك حاسة سادسة تدرك بها عوارض النفس كالجوع والعطش والشبع والأصح ما عليه العامة وهو الخمس ذكر ذلك ابو البقاء الكفوي في الكليات ص54
(3) المشاهدة نوع من الحس وهذا من الإطناب بذكر الخاص بعد العام للتنبيه على فضله حتى كأنه ليس من جنسه وهذا بناء على الراجح عند الأصوليين أن عطف الخاص على العام ليس تخصيصاً
وقال السيوطي في نظمه في البلاغة :
وذكر خاص بعد ذى عموم **** منبهاً بفضله المعلوم
كعطف جبريل وميكال على **** ملائك قلت وعكسه جلا
انظر شروح التلخيص ( 3/217) ، شرح عقود الجمان ( 1/239) ، والبلاغة لحفني ناصف ص 167
(4) هذا يسمى بقياس الأولوية وسيأتي في الملحق تقرير هذه القاعدة 0
*وأما الفطرة : فـلأن النفوس السليمة (1) مجبولة (2) مفطورة (3) على محبة الله وتعظيمه وعبادته (4).
وهل تحب وتعظم وتعبد إلا من علمت أنه متصف بصفات الكمال اللائقة بربوبيته وألوهيته ؟
وإذا كانت الصفة نقصاً لا كمال فيها فهي ممتنعة (5) في حق الله تعالى كالموت والجهل والنسيان والعجز والعمى والصمم ونحوها (6) لقوله تعالى : { وتوكل على الحي الذي لا يموت } [ الفرقان : 58]
__________________________________________________ ___________________
(1) أما النفوس المريضة بالشبهات والتخرصات فإنهم يكرهون فطرهم وعقولهم على قبول المحال المتناقض انظر الفتاوى ( 4/60)
وقال شارح الطحاوية ص95 : " أودع الله في الفطرة الإنسانية التي لم تتنجس بالجحود والتعطيل ، ولا بالتشبيه و التمثيل ، أنه سبحانه الكامل في أسمائه وصفاته وأنه الموصوف بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ، وما خفي عن الخلق من كماله أعظم وأعظم مما يعرفونه منه "
(2) أي مخلوقة من الجبل بمعني الخلق
انظر تفسير ابن عاشور (23/28) ، ونزهة القلوب في تفسير غريب القرآن للسجتاني ص 198 0
(2) الفطر أصله الشق طولاً وفطر الله الخلق هو إيجاده الشيء وخلقهم
مفردات الراغب (2/494) ، والبرهان في غريب القرآن لحسن الحبشي ص 324
(4) ما لم تتغير الفطر وتتلوث بشبه خارجية .
(5) ممتنعة عقلاً وشرعاً
(6) والظلم والعطش والبكاء والحزن والأكل والشرب
انظر شرح التدمرية لفالح آل مهدي ص 290
وقوله عن موسى : { في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى } (1) [ فاطر : 44] وقوله : { وما كان الله ليعجزه (2) من شيء في السموات ولا في الأرض } [ طه : 52] وقوله : { أم يحسبون أنا لا نسمع (3) سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون } [ الزخرف : 80]
(1) قال ابن فارس في " مجمل اللغة " (4/866) : " النسيان : الترك ، قال الله جل وعز : { نسوا الله فنسيهم } " ا 0 هـ
وسئل الشيخ ابن عثيمين في " مجموع فتاوى ورسائل " ( 3/54-56/رقم 354) السؤال التالي : هل يوصف الله تعالى بالنسيان ؟
فأجاب حفظه الله تعالى بقوله : " للنسيان معنيان :
أحدهما : الذهول عن شيء معلوم ، مثل قوله تعالى : { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } " ومثل الآية التي أتي بها المؤلف هنا ثم قال : " وعلى هذا فلا يجوز وصف الله بالنسيان بهذا المعنى على كل حال 0
والمعنى الثاني للنسيان : الترك عن علم وعمد مثل قوله تعالى : { فلما نسوا ما ذكروا به به فتحنا عليهم أبواب كل شيء } الآية ، ومثل قوله تعالى : { ولقد عهدنا إلي آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزماً } على أحد القولين وهذا المعنى من النسيان ثابت لله تعالى عز وجل ، قال الله تعالى : { فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم }
وتركه سبحانه للشيء صفة من صفاته الفعلية الواقعة بمشيئته التابعة لحكمته والنصوص في ثبوت الترك وغيره من أفعاله المتعلقة بمشيئته كثيرة معلومة وهي دالة على كمال قدرته وسلطانه
وقيام هذه الأفعال به سبحانه لا يماثل قيامها بالمخلوقين وإن شاركه في أصل المعنى ، كما هو معلوم عند أهل السنة : ا 0 هـ باختصار 0
(2) الشاهد من الآية أن الله نفى عن نفسه العجز
(3) الشاهد أن الله نفى عن نفسه الصمم 0
وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الدجال : إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور " (1) وقـال : " أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً "(2)
وقد عاقـب الله تعالى الواصفيـن له بالنقص كما في قولـه تعالى : { وقالت اليهود يد الله مغلولة (3) غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا (4) بل
(1) رواه البخاري برقم (7131) كما في طبعة التوشيح شرح الجامـع الصحيـح للسيوطـي ( 9/4150)
ورواه مسلم برقم ( 2825) كما في طبعة المفهم للقرطبي ( 7/67)
والشاهد من الحديث نفي العمي عن الله
وقال القرطبي في المفهم ( 7/267) :
الله ليس بأعور وهذا تنبيه للعقول القاصرة أو الغافلة على أن من كان ناقصاً في ذاته ، عاجزاً عن إزالة نقصه ، لم يصلح لأن يكون إلهاً لعجزه وضعفه ، ومن كان عاجزاً عن إزالة نقصه كان أعجز عن نفع غيره وعن مضرته 0
(2) رواه البخاري في صحيحه برقم (4205) كما في الفتح (7/537) ، ورواه مسلم في صحيحه كما في شرح النووي (17/35)
والشاهد من الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم ، نفي عن الله الصمم لأن الله سميع وهو قريب مع العبد
ومعنى ( اربعوا ) أي ارفعوا وأمسكوا عن الجهر
انظر عون الباري على البخاري لصديق حسن خان ( 5/279)
وقال أنور الكشميري في فيض الباري على البخاري (4/134): ليس في الحديث النهي عـن الجهر بل فيه كونه لغواً لأن الذي تدعونه أقـرب إليكـم من حبل الوريد ا 0هـ
(3) أي عن الخير والإحسان والبر0
(4) هذا دعاء عليهم بجنس مقالتهم لأن كلامهم متضمن وصف الله الكريم بالبخل وعدم الإحسان فجازاهم بأن كان هذا الوصف منطبقاً عليهم فكانوا أبخل الناس وأقلهم إحساناً وأسواهم ظناً بالله وهذا هو الشاهد من الآية
انظر تفسير السعدي (1/500)
يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء } [ المائدة : 64] وقوله :{ لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق} (1) [ آل عمران : 181]
ونزه نفسه عما يصفونه به من النقائص فقال سبحانه : { سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين (2) والحمد لله رب العالمين } [ الصافات : 180-182] وقال تعالى : { ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون } (3) [ المؤمنون : 91]
وإذا كانت الصفة كمالاً في حال ونقصاً في حال لم تكن جائزة في حق الله و لا ممتنعة على سبيل الإطلاق فلا تثبت له إثباتاً مطلقاً ولا تنفى عنه نفياً مطلقاً بل لابد من التفصيل فتجوز في الحال التي تكون كمالاً
(1) أي أن الله سمع ما قالوه وأنه سيكتبه ويحفظه مع أفعالهم الشنيعة وهو قتلهم الأنبياء الناصحين والشاهد أن الله سيكتب ما قالوا وأنه سيعاقبهم على ذلك أشد العقوبة
السعدي (1/298) 0
(2) لسلامتهم من الآفات والذنوب ، وسلامة ما وصفوا به فاطر الأرض والسماوات 0
والشاهد أن الله نزه نفسه عما يصفونه به فهو المقدس عن النقص المحمود بكل كمال 0 السعدي ( 4/277)
(3) الشاهد من الآية أن الله نزه نفسه عما يصفونه من الشريك والولد 0
تفسير فتح البيان لصديق حسن خان (9/146)
وتمتنع في الحال التي تكون نقصاً وذلك كالمكر والكيد والخداع (1) ونحوها فهذه الصفات تكون كمالاً إذا كانت في مقابلة من يعاملون الفاعل بمثلها لأنها حينئذ تدل على أن فاعلها قادر على مقابلة عدوه بمثل فعله أو أشد وتكون نقصاً في غير هذه الحال (2) ولهذا لم يذكرها
(1) المكر والكيد والخداع ألفاظ متقاربة ومعناها هو التوصل بالأسباب الخفية إلي الإيقاع بالخصم فيوصل الشر والأذى بالغير خفية وبغته
ولهذا عندما مكر اليهود بعيسى وأرادوا قتله مكر الله بهم وألقى الشبه على من أراد أن يقتله فقُتل ورفع الله عيسى إليه فسلم من مكرهم 0
وكذلك عندما كاد أخوه يوسف له فإن الله كاد ليوسف وخلص منهم أخاه في قصة سواع الملك بطريقة منظمة من السماء فالله أسند الكيد لنفسه وليس هذا ظلماً 0
انظر تفسير الطبري ( 3/289) ، والفتاوى ( 7/111)
وسيأتي في الملحق تفصيل هذه المسألة
وليس مكر الله كمكر المخلوق
انظر تفصيل ابن القيم للمسألة في مختصر الصواعق ص 288
(2) أي إذا فعلت بمن لا يستحق العقوبة كانت ظلماً له وإذا فعلت بمن يستحق العقوبة كانت عدلاً ولهذا قال شيخ الإسلام في الفتاوى (7/11):
وكذلك ما ادعوا أنه مجاز في القرآن كلفظ " المكر " و" الاستهزاء " و" السخرية " المضاف إلى الله وزعموا أنه مسمى باسم ما يقابله على طريق المجاز وليس كذلك بل مسميات هذه الأسماء إذا فعلت بمن لا يستحق العقوبة كانت ظلماً له وأما إذا فعلت بمن فعلها بالمجني عليه عقوبة له بمثل فعله كانت عدلاً ، كـما قـال تعالى : { كذلك كدنا ليوسف ) فكاد له كما كادت أخوته لما قال له أبوه : { لا تقصص رؤياك على اخوتك فيكيدوا لك كيداً } وقال تعالى : { انهم يكيدون كيداً وأكيد كيداً } وقال تعالى : {ومكروا مكراً ومكرنا مكراً وهم لا يشعرون فأنظر كيف كان عاقبة مكرهم } وقال تعالى : { الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون غلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم } ولهذا كان الاستهزاء بهم فعلاً يستحق هذا الاسم ا0هـ0
وانظر الحجة في بيان المحجة للأصبهاني (1/168) 0
الله تعالى من صفاته على سبيل الإطلاق وإنما ذكرها في مقابلة من يعاملونه ورسله بمثلها كقوله تعالى : { ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين } [ الأنفال : 30] وقوله : { إنهم يكيدون كيداً وأكيد كيداً } [ الطارق 15،16] وقوله : { والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين } [ الأعراف : 182-183] وقوله : { إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم } [ النساء : 142] وقوله : { قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون الله يستهزيء بهم } (1) [ البقرة : 14،15]
ولهذا لم يذكر الله أنه خان من خانوه فقال تعالى : { وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم } [ الأنفال : 71] فقـال : { فأمكن منهم } ولم يقل : فخانهم لأن الخيانة خدعة في مقام الائتمان وهي صفة ذم مطلقاً (3)
وبذا عرف أن قول بعض العوام : " خان الله من يخون " منكر فاحش يجب النهي عنه 0
(1) والشاهد من الآيات أن هذه صفات تدل على أن الله عز وجل يفعلها مقيدة ولهذا كانت كمالاً في هذه الحالة
(2) أي ليست كمالاً حتى لو في مقابلة العدو 0
ملحق القاعدة الأولى
ذكرنا في الحاشية على القاعدة الأولى أننا سنفصل بعض المسائل و هي :
1- معنى المثل الأعلى
2- قياس الأولوية
3- تفسير المكر والكيد والخداع 0
أولاً : معنى المثل الأعلى
يطلق المثل على عدة أمور :
1- تشبيه شيء بشيء لوجود عنصر تشابه أو تماثل بينهما 0
2- المثل بمعنى النموذج من ذي افراد متعددة لنوع من الأنواع أو عمل من العمال أو سنة من سنن الله نظراً إلى التشابه الموجود بين أفراد النوع الواحد
3- تطلق كلمة المثل ويراد منها %